الحسين بن نصر ابن خميس

535

مناقب الأبرار ومحاسن الأخيار

وقال : قوام الإسلام وشرائعه بالمنافقين ، وقوام الإيمان وشرائعه بالعارفين والعالمين باللّه . وأنشد لنفسه « 1 » : بصرت بالرّاحة الكبرى فلم أرها * تنال إلّا على جسر من التّعب والجدّ منها بعيد في تطلّبها * فكيف يدرك بالتّقصير واللّعب وقال : من لم يتجرّد عن الدّنيا بسرّه ، ولم يتخلّ عن الخلق بربّه ، ولم يتعرّ عن نفسه بسرّه ، كيف يتفرّد مع مولاه بسرّه ، ويتخلّى عن مولاه بسرّه ؟ فمن تخلّى بسرّه عمّا سوى اللّه ، وتفرّد بسرّه مع مولاه ، كشف له الغطاء ، فميّز بين ما يرضي مولاه ، وبين ما يسخطه . فأوّل ما يرث من سكون السّريرة ، والتّفرّد بمولاه الصّدق في القول ، والإخلاص في العمل ، واستبانت له البراهين عند مشاهدة اليقين ، وزال عنه كلّ ما فيه التّعب والنّصب ، فيصير سكونه تسبيحا ، وكلامه تقديسا ، ونومه ذكرا ، ويقظته صلاة ؛ لأنّ أنفاسه تخرج على مشاهدة معانيه . فأوّل باب من أبواب العمّال القاصدين إلى اللّه الخلوة ، ومنها تهيج الأخلاق المحمودة عند الخلق ، المرضيّة عند اللّه . وروي : أنّه دخل يوما إلى مسجد الشّونيزية ليسلّم على أبي جعفر الحدّاد ، وحوله جماعة من الفقراء يأكلون ، وقد قدم عليهم أبو يعقوب الأقطع ، فقالوا له : يا أبا العباس ، تواضع وكل معنا . فجلس يأكل معهم ، وكان في كمّه مئتا درهم ، فأخرجها من كمّه من حيث لا يعلمون ، فوضعها عندهم ، وخرج من المسجد . وقال : اعلموا أنّ اللّه هو الحقّ ، ولا يوصل إليه إلّا بالحقّ ، ولا يتحقّق الحقّ إلّا بالصّدق ، فاحفظوا بالصّدق ألسنتكم ، فإنكم بها للّه مخاطبين ،

--> ( 1 ) البيت الأول لأبي تمام ، وهو في ديوانه 1 / 79 تحقيق محمد عبده عزام ، دار المعارف بمصر . بلفظ : بصرت . . فلم ترها .